محمد راغب الطباخ الحلبي
40
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
سنة 558 ذكر انهزام نور الدين محمود من الفرنج قال ابن الأثير : في هذه السنة انهزم نور الدين محمود بن زنكي من الفرنج تحت حصن الأكراد [ بلدة صغيرة قريبة من طرابلس فوق جبل عال يراها المتوجه من حمص إلى طرابلس من بعيد ] . وهي الوقعة المعروفة بالبقيعة تحت حصن الأكراد محاصرا لها وعازما على قصد طرابلس ومحاصرتها . فبينما الناس يوما في خيامهم وسط النهار لم يرعهم إلا ظهور الفرنج من وراء الجبل الذي عليه حصن الأكراد ، وذلك أن الفرنج اجتمعوا واتفق رأيهم على كبسة المسلمين نهارا فإنهم يكونون آمنين ، فركبوا من وقتهم ولم يتوقفوا حتى يجمعوا عساكرهم وساروا مجدين ، فلم يشعر بذلك المسلمون إلا وقد قربوا منهم ، فأرادوا منعهم فلم يطيقوا ذلك ، فأرسلوا إلى نور الدين يعرفونه الحال ، فرهقهم الفرنج بالحملة فلم يثبت المسلمون ، وعادوا يطلبون معسكر المسلمين والفرنج في ظهورهم ، فوصلوا معا إلى العسكر النوري فلم يتمكن المسلمون من ركوب الخيل وأخذ السلاح إلا وقد خالطوهم فأكثروا القتل والأسر ، وكان أشدهم على المسلمين الدوقس الرومي ، فإنه كان قد خرج من بلاده إلى الساحل في جمع كثير من الروم فقاتلوا محتسبين في زعمهم فلم يبقوا على أحد ، وقصدوا خيمة نور الدين وقد ركب فيها فرسه ونجا بنفسه ، ولسرعته ركب الفرس والشبحة في رجله فنزل إنسان كردي قطعها فنجا نور الدين وقتل الكردي فأحسن نور الدين إلى مخلفيه ووقف عليهم الوقوف . ونزل نور الدين على بحيرة قدس بالقرب من حمص وبينه وبين المعركة أربع فراسخ وتلاحق به من العسكر وقال له بعضهم : ليس من الرأي أن تقيم ههنا فإن الفرنج ربما حملهم الطمع على المجيء إلينا فنؤخذ ونحن على هذا الحال ، فوبخه وأسكته وقال : إذا كان معي ألف فارس لقيتهم ولا أبالي بهم ، وو اللّه لا أستظل بسقف حتى آخذ بثأري وثأر الإسلام . ثم أرسل إلى حلب ودمشق وأحضر الأموال والثياب والخيام والسلاح والخيل فأعطى الناس عوض ما أخذ جميعه بقولهم فعاد العسكر كأن لم تصبه هزيمة ، وكل من قتل أعطي إقطاعه لأولاده .